يقدّم تقدم الخطيب في مقال نشره موقع ميدل إيست آي قراءة تحليلية عميقة بعد مرور خمسة عشر عامًا على انتفاضة يناير 2011، يشرح فيها كيف شكّلت تلك اللحظة زلزالًا سياسيًا هزّ بنية الدولة العميقة، ولماذا أخفقت في التحوّل إلى مشروع ديمقراطي مستدام، وما الذي بقي منها في واقع سياسي تحكمه اليوم قبضة عسكرية أشد قسوة.

 

يناير كتهديد وجودي للنظام

 

يؤكد الكاتب أن انتفاضة يناير لم تكن حدثًا معزولًا، بل حلقة ضمن تاريخ طويل من الثورات والاحتجاجات الشعبية في مصر، من الثورة العرابية إلى انتفاضة الخبز. غير أن يناير 2011 تميّزت بكونها هزّت مؤسسات الدولة العميقة من جذورها، وخلقت شروخًا لم تلتئم حتى اليوم، وهو ما يفسّر مستوى القمع غير المسبوق الذي مارسه النظام لاحقًا ضد كل من ارتبط بتلك اللحظة.

 

رأت المؤسسة العسكرية في يناير خطرًا مباشرًا يهدد نفوذها السياسي والاقتصادي، ويعيد طرح احتمال الحكم المدني، وهو احتمال تخشاه بشدة. في المقابل، عجزت قوى المعارضة عن إدراك هذا الخطر في حينه، وانساقت خلف أوهام من قبيل “الجيش والشعب إيد واحدة”، بينما كانت مراكز القوة ترتّب انتقالًا ناعمًا للسلطة يحفظ جوهر النظام.

 

ينقل الكاتب تجربته الشخصية داخل الجمعية الوطنية للتغيير، حيث استمر التواصل مع الرئاسة، بينما أرسل عمر سليمان رسالة واضحة مفادها أن غياب التفاوض السياسي يفتح الباب أمام انقلاب عسكري. رغم ذلك، لم تنظر المعارضة إلى الجيش بوصفه تهديدًا، بل تعاملت معه كحليف محتمل.

 

سبعة أخطاء أضاعت اللحظة الثورية

 

يرى الخطيب أن فشل يناير يعود إلى عجز المعارضة عن تحويل الزخم الثوري إلى مشروع سياسي جامع. بدأ الخطأ الأول مع إخلاء ميدان التحرير فور تنحي مبارك دون الاتفاق على خطوات تالية، ما بدّد قيمة الميدان كأداة ضغط. يصف الكاتب هذا القرار بأنه الطلقة الأولى التي أُطلقت على الثورة.

 

الخطأ الثاني تمثّل في غياب رؤية واضحة لمرحلة ما بعد مبارك، رغم وجود “المطالب السبعة” التي رفعتها الانتفاضة في بدايتها. أدى هذا الفراغ إلى الخطأ الثالث، حيث لجأت القوى السياسية إلى الأيديولوجيا بديلًا عن المشروع السياسي، فتراجع خطاب الحرية والديمقراطية لصالح استقطاب أيديولوجي حاد.

 

أما الخطأ الرابع فكان غياب خطاب سياسي مقنع للجماهير، إذ تحوّل الخطاب إلى ردّ فعل على الأحداث والقمع، وبقي تقليديًا، مكشوفًا أمام أجهزة الأمن، وغير قادر على تعبئة المجتمع. وجاء الخطأ الخامس عبر التحالف مع الدولة العميقة لإقصاء الخصوم، كما فعلت جبهة الإنقاذ، ما مهّد الطريق لانقلاب على المسار الديمقراطي في يوليو 2013.

 

يشير الكاتب إلى أن الخطأ السادس تمثّل في الصمت أو التواطؤ تجاه فض اعتصام رابعة، وقبول رواية النظام التي برّرت العنف، وهو ما فتح الباب أمام شرعنة القتل الجماعي وتعميمه. أما الخطأ السابع فيكمن في العجز المستمر عن الاعتراف بالأخطاء، وعن تبنّي مطلب الحرية وحقوق الإنسان بوصفه مطلبًا شاملًا لا يخضع للانتماء السياسي أو الأيديولوجي.

 

لا انتصار ولا هزيمة نهائية

 

يخلص المقال إلى أن اختزال يناير في ثنائية النجاح أو الفشل تبسيط مضلّل. فقد نجحت الانتفاضة في كسر حاجز الخوف، وإعادة السياسة إلى المجال العام، وهدم أسطورة الاستقرار الأبدي. لكنها أخفقت في التحوّل إلى مشروع مؤسسي مستدام، ليس فقط بسبب أخطاء الفاعلين السياسيين، بل أيضًا بفعل بنية المجتمع، والفجوة الجيلية، وغياب طبقة وسطى منظّمة، وأوهام التنظيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

 

تكشف يناير، بحسب الخطيب، عن مجتمع لم يكن مستعدًا بالكامل لاستيعاب ما جرى، وعن دولة حافظت على بنيتها النفسية العميقة رغم الصدمة. لذلك تبقى يناير معلّقة بين لحظة تاريخية كسرت المسلّمات، وزمن لم ينضج بعد لتحقيق أحلامها.

 

لم تُهزم يناير تمامًا، ولم تنتصر كما أراد صانعوها. تظل سؤالًا مفتوحًا عن الزمن، والجيل، وحدود الممكن في مجتمعات تتحرك ببطء، بينما يحلم شبابها بسرعة.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/why-did-egypts-january-uprising-fail-and-what-remains-it